في الطريق إلى الياس الزيات: المعلم الذي يرعى خيوله باعتبارها نبوءة

ظپط§ط±ظˆظ‚ ظٹظˆط³ظپ

المقاله تحت باب  نقد
في 
27/08/2011 06:00 AM
GMT



أترك البيانو وحيدا. شبح ما يضرب بأصابعه على مفاتيح البيانو في تلك الغرفة المغلقة. التفت إلى النافورة.

يسيل الإيقاع على أرض وهمية في البيت الدمشقي العتيق. كانت الأندلس تعيد رسم خرائطها. أليست الزخرفة نوعا من الموسيقى؟ لتكن لقدمي فكرة الحديقة التي تنسج متاهتها من خضرة ألم نباتاتها. مشيت بقدم واحدة مثل فتى طردته أمه من المطبخ. كان الرصيف ضيقا. لو كان باب توما أبعد لكان شعوري باللذة أكبر. يحملني الغيم. لا تسقط خطوتي على حجارة خشنة بل على فسيفساء قدت من مادة لينة. امتزج بنظرات الفتيات اللواتي يمشين بحذر مثلي. تنزلق النغمة إلى صدع عميق في الأرض. أقيس المسافة بالأصبع بين قدمي وقدم فتاة كاد صدرها يرتطم بصدري. سنتمتر للمحبة الالهية. ليسوع قبل أن يولد. لفكرة أن يكون المرء حيا. البيانو يبتسم للحيلة. لابد أن تكون هناك عينان تنبعث منهما الحيرة. هناك شفتان تلتهمان الارتباك ويد واحدة على الأقل تعتذر.
'الطريق لك'

'لك أنت'

ما من أحد يسبق الآخر. نغمة البيانو تشد الأحذية، بعضها إلى البعض الآخر. الكعب العالي سيكون ضحية فكرته السافرة عن عالم صامت. عالم لديه من الوقت ما يكفي للإنصات إلى موسيقى الحجرة. يحضر الدرس صارما، غير انه سرعان ما يتراجع. هناك ما يهدد شفقته. النسيان الذي يمحوها. تتمهل الأنثى لتكون فريسة متوثبة. ليس هناك أسهل من النظر الذي لا يدعو إلى الريبة. هناك سنتيمتر يفصل بيننا. قدمك تكاد تلامس قدمي ويدك تصفح. رصيف بقدم واحدة يجمعنا. لن نختلف على اللغة. الهواء رطب. جمل متقاطعة تنبعث من الأجساد. الخصر والبطن والركبة والساق والصدر والرقبة والقدم كلها أمم تتكلم بلغات مختلفة. جمهرة من العصافير تشق الهواء بدرجة حرارة تصل إلى الغليان. بعدها يتغير الطقس. لفتة تحتكر المناخ كله. تنزل من برج الكنيسة برنين الجرس. يأخذني هلعي إلى القداس. تمثالي ينتظر أزميل النحات.
'الطريق لك'

تبتسم وتمر.

الشاورمة هناك، نهاية الشارع. رائحتها تمتزج بالصلاة. يسيل الزيت على أوتار الحنجرة. المؤمنون الشباب يصفون للمؤمنات الشابات الطريق إلى الجنة. أنصت إلى ضحكات الحوريات. تغني فيروز لسيدة النجاة. للفادي وهو يذرع الطريق بحثا عن زاوية تحميه من رائحة الشاورمة. كانت حواسي تسير بي. الحواس تحلم هي الأخرى. أبدو شبيها بالطفل الذهبي الذي لن يراه أحد. ألم أخُلق بعد؟ انزلقت الخمسون سنة بخفة من على ثيابي. لن يكون الحديث عن النعومة ممكنا بيسر. تبدو اللغة أكثر خشونة من أن تقوم بذلك. لن يكتسب الخشب خيال العسل. وأنا أكتب الآن أضيق بالوصف. كيف يمكنني أن أصف مثلا التباس الأمر علي وأنا أحاول أن افرز بين ما كنت أراه حقيقة في تلك اللحظة وبين ما كنت أتخيله؟ كان هناك شيء من الألم يشق طريقه إلى صدري. ليس الجمال هو السبب. هل تكون الدعة هي السبب. تعبير غامض قد لا يقول شيئا محددا. ربما لان المفردة نفسها توحي بالشعر لا باسلوب في العيش، تنفرد الحواس وحدها في تأليف عناصره خفية. للدعة خيالها مثلما للجمال خياله. غير أن الأمرين مختلفان إلى حد بعيد. الجمال ذريعة نتخذها للانتقال من فضاء إلى فضاء آخر، قد يكون مجاورا. اما الدعة فانها هدف. حين نصل إليه يكون كل شيء قد انتهى، نهاية طريق، معها نستسلم لمشيئة ريح خفيفة تحملنا بعيدا عن اسباب العيش السابقة. تقترح الدعة علينا أحاسيس لم نختبرها من قبل. أحاسيس جربها موسى حين انتصر على سحرة فرعون مصر. الهي يتقدمني وهو يرعى معجزتي. لن يكون الالتفات إلى ما كنا فيه مجديا. تنهي الدعة أي شعور يخالجنا بالحنين. يشعر المرء حينها أنه انهى مسيرته إلى حافة، سيكون الجلوس عليها مناسبة للنظر إلى الكون.

'هل تنتظر الهدهد؟'

'سيسبقه الغراب'

كنت أقف بين خطوة وأخرى لالتقط الفكرة وهي من هواء. هو ذا فصل يقع خارج السنة. هو ذا طقس لا يذكر بالمناخ. هل كان الجواهري يفكر بطريقتي ذاتها حين خاطب (براغ) بشعور عظيم من الامتنان: 'أطلت الشوط من عمري/ أطال الله من عمرك'. خُيل إلي أن في إمكان المرء أن يعيش هنا إلى الأبد من غير أن يتعرض للتفسخ. ما من خطيئة لتجلب الندم وما من ألم ليُذكر بخيانة الحواس. رن جرس هاتفي النقال. كان يوسف عبد لكي على الخط. 'أتفقت مع الياس الزيات على اللقاء الليلة في بيته. سأكون في انتظارك في مرسمي بعين الكرش ومن بعدها نذهب إليه'. أبونا الياس الزيات. حارس الكنيسة بتواضعه ورسول السلام بطمأنينته المسيحية. منذ اللحظة الأولى التي التقيته فيها كانت المسافة القائمة بيننا مشحونة بالبركة. لا يُذكر برسومه بقدر ما يجعل النظر إليه عبر تلك الرسوم ممكنا، كما لو أن يسوع قد قام فعلا. ربما كانت أيقوناته مرايا لأيقونته الشخصية. يتأملك بعينين دامعتين ليقرأ فكرتك ببراءة طفل ونزاهة قديس. إن التقيته مرة واحدة، لن يكون يسيرا عليك أن تنساه. واقعة تمتزج بما هو مقدس في أعماقك. تلك الأشياء الخفية التي تتشبث ببعدها الماورائي. أظن أنه لو لم يكن رساما لكان قسا. نوع من فنسنت. 'هذه المرة سأسأله' قلت لنفسي. لم أسأله. في بيته الذي هو بيت العائلة علقت على الجدران صور كبيرة لأبيه وجده وآخرين من الأسلاف. عاش أولئك الرجال أناقة الحقبة العثمانية وصرامتها في اللباس والهيأة والتعبير.

بفرح عرض الياس زيات علي وعلى يوسف آخر تجاربه في الرسم. ولأني لم أعهده رسام خيول، فقد فوجئت بتلك الكائنات التي تذكر بما أعرفه من الياس غير أنها في الوقت نفسه تقدمه لي باعتباره رساما آخر. في (خيوله) لم يكن رساما واقعيا، بل حافظ على ذلك البعد الماورائي الذي يميز نظرته إلى الأشياء والوقائع والكائنات. حرص الياس هذه المرة على أن يجعل خيوله ترعى في حقول سماوية. وكما يبدو لي فان الزيات كان قد استخرج خيوله من المادة نفسها التي غمرتها الكتب المقدسة بحبر كلماتها. 'هوذا رسام ينعم بالدعة' قلت لنفسي. قلت ليوسف: 'أظنه حين يذهب إلى الجنة سيشعر أنه انما يعود إلى بيته'. كانا صديقين بعمق. الياس نفسه يقدم الصداقة على أي نوع آخر من العلاقات. غير أن عبد لكي كان حريصا على أن يرى في الزيات معلمه. قال بمحبة: 'ثلاثة كنت دائما أتمنى أن يروا رسومي: محمود حماد، نذير نبعة والياس الزيات. بعدها لا يهمني شيء من مصير تلك الرسوم'. أنغام البيانو تعلو. كانت هناك موسيقى تنبعث من الغرفة المجاورة وكان باب الشرفة مفتوحا. قبل أن يعترف عبد لكي بنوع العلاقة التي تربطه بالياس كنتُ أرى فيه معلما. لا أقصد هنا الوظيفة المباشرة، بل كان في ذهني شيء مما علق بتلك الصفة من معان نورانية. المسيح كان معلما. ابن سينا، ارسطو، الفارابي كانوا معلمين. كان الياس معلما بصيغة الرائي الذي يضع معرفته في خدمة حدسه. لذلك لم يكن طوال خمس ساعات قطعيا في ارائه. يقول الجملة ويشعرك بأن تلك الجملة ستكون ناقصة ما لم تضف اليها جملتك. لم تكن تقنية بعينها من تقنيات الحوار تهمه، بل كان سيد الكلمات المتقاطعة. لا يمنعك من الاسترسال في بلاغة تقع خارج الموضوع، غير أنه في لحظة ما يعيدك إلى المربع الذي قفزت منه إلى التيه.

وهو يرينا رسومه الجديدة بدا مهتما بالموضوع. حيلة لكي لا نذهب أبعد. أسرار الرسم لدى الزيات هي جزء من أسرار المعبد. ايمانه بالمخلص يلهمه موقفا دنيويا غاية في التفاني والرفعة. لم أجرؤ على أن أقول له: 'أنك تتغير'. جملة واقعية ستثير فيه الحزن وهو الذي لا يسخط. غير أن المعلم كان يومها فعلا رساما آخر. الآخر الذي يرى إلى بلده سورية من جهة النبوءة. لقد انتهى زمن بولس الرسول، وها هي قيامة المعلم تعيد صياغة الاسئلة المصيرية. ولأن الياس الزيات كان واحدا من أهم معلمي سورية في عصرها الحديث فقد اختار أن يكون الحصان نبوءته. يقيم المعلم في خطوته لا في قدميه، في نظرته لا في عينيه.
'لقد استهلكت عمرا في التعليم'، فاجأني أنه لم يتخل عن الذهاب إلى كلية الفنون، مشرفا على الدراسات العليا، إلا قبل وقت قصير. أردت أن أصارحه بان شهادة الدكتوراة في بلادنا كذبة، تهدف إلى تحسين سبل العيش بالنسبة لطالبيها. غير أنه صارحني بيأسه العميق. المعلم يتخيل فيما كان التلاميذ يتسكعون في الاروقة الخلفية بحثا عن ذيل مناسب لطاووسهم المقبل. الناسك تعب من الأيدي التي لا ترى فيه إلا تمثالا، تلمسُه لتنال تزكيته. لا يستحق فنان كبير مثل الياس الزيات مثل هذا المصير. 'الآن أنا حر' يقول لنا وهو لا يخفي نظرة عميقة كان يلقيها على صور أسلافه. على سلم البناة يرتقي عاطفة نبله. يا أبي ويا معلمي كان العشاء معك فرصة للذهاب إلى الآخرة.