أي دائرة بين دمشق والقاهرة يمكن للفنان الخروج منها في عشرة أيام؟ ... تشكيليون سوريون

المقاله تحت باب  نقد
في 
16/04/2008 06:00 AM
GMT



لا يسمح حراس «مكتب عنبر» (قصر الثقافة) في دمشق لأي كان بدخول صالة المعارض، ما لم يكن احد منظمي المعرض موجوداً فيها. تقترب الساعة من الثانية ظهراً. ومن المفترض ان تفتح الصالة التي تستضيف اعمالاً تشكيلية ونحتية وتجهيزاً لستّة فنانين من مصر وسورية، أبوابها من الثانية عشرة حتى الثامة مساء (من 3 الى 10 نيسان/ ابريل الجاري). لكن الباب مقفل، ومفتاحه مع الحراس، والحراس تلقوا تعليمات صارمة، فهم، كما يبررون، ليسوا مسؤولين عن اي ضرر قد يلحقه الزوار بالاعمال المعروضة.
يسألون: «كيف سيدخل الناس ويشاهدون الاعمال الفنية ما لم يتواجد احد الفنانين ليشرحها لهم؟». هذا المبرر الفني ليس من اختراع الحراس، فهو «داء» روجته الشاشة الصغيرة كأحد أسس تلقي الفن. ففي افتتاح المعرض يقف الفنان امام لوحته ويشرحها للزوار. لكن مبعث فكرة الحراس هذه كان اقرب بكثير من صور التلفزيون، انه المعرض ذاته: هناك واحدة من المنظمين تدأب على شرح فحوى الاعمال المعروضة لزوار المعرض، عرباً وأجانب، بالفرنسية والعربية. لا تشرح فقط، بل تسأل الزائر ما الذي «فهمه» من العمل الفني، لتبادر بعدها وتلقنه «فكرة العمل». إذاً ليس الفنان هو من يشرح، وهو امر قد يبدو مبرراً في سياق النقاش وليس الشرح، بل المنظم الذي تلقف بعض الجمل من الفنان ليحيلها تعميماً! جاء المعرض بعد ورشة عمل مشتركة في دمشق، لثلاثة فنانين سوريين وثلاثة مصريين، امتدت عشرة ايام.
 
 على ان تقام ورشة مماثلة في القاهرة خلال تشرين الاول (أكتوبر) المقبل. وهذه التجربة تحمل عنوان «خارج الدائرة».
عادة ما تأتي كلمة «خارج» دالة على التمايز والتمرد على الاتساق، كما في «خارج السرب» مثلاً. لكن عن اي دائرة يراد الخروج في المعرض، والذي سيليه؟ يوضح منظمو المعرض مفهومهم عن هذه الدائرة بالقول انها «كل الاحداث التي يمر بها الوطن العربي في هذه الفترة، من حروب وعولمة وفقر واشكاليات الحداثة».
واذا بدا مقبولاً، ولو بصعوبة، ان تكون كل تلك الوقائع تتكامل في دائرة واحدة، فان طرح امكانية الخروج منها ليس اقل من مجازفة مجانية، خصوصاً اذا علمنا ان المقصود بـ «الخروج» يأخذ بعداً جغرافياً، وان المدة المتاحة لهذا «الخروج» هي عشرة ايام، يقيم فيها فنانون خارج بلدهم لينجزوا ما يعطي مؤشرات على نشاط مغاير لهم «خارج الدائرة». 

لوحة للمصرية أسماء النواوي
ولما كان المنظمون انفسهم يقولون ان الوطن العربي هو الذي يعاني، فكيف يريدون من الفنان ان يصير خارج الدائرة اذا انتقل من القاهرة الى دمشق؟ ما هي «الصدمة» الحضارية التي تفصل بين العاصمتين كي يراهنوا عليها؟ ما هي تلك الفوارق الجارفة؟ واذا كان من اختلاف في مناخات المدينة وعيش يومياتها، كيف سيمكن لذلك الاختلاف ان يؤثر في الفنان، ويختمر فيه، ليغير في ملامح عمله، في عشرة ايام تستلزم الاقامة في المشغل كي تكفي انجازه عملاً واحداً ليس اكثر؟
تجربة المعرض هي لفنانين شباب، ما زالوا في بداية بحثهم عن تكوين مختبرهم الخاص، واعطاؤها تلك العناوين «الطنانة» هو، على ما هو عليه، اقحام لا يظهر مبرره بوضوح. لم ينجز الفنانون المشاركون سوى عمل واحد خلال الورشة، واذا ضم المعرض أعمالاً عدة لكل فنان فهي اعمال كان انجزها سابقاً. ولا يبدو ان هناك تمايزاً يذكر بين العمل الذي انجزه كل فنان في الورشة وبين اعماله السابقة، باستثناء طفيف.
لم تبارح التشكيلية المصرية أسماء النواوي انشغالها بالاسئلة عن المرأة المسلمة والتزامها الحجاب الفرض. اذ تستخدم لوحات عدة كسلسلة لتشكل موضوعها. المرأة نفسها في 3 لوحات مجتمعة. في الوسط تبدو مفرودة الشعر، تداعب يدها خصلاته، وتتدلى منه دبابيس شعر في تشكيلات مختلفة يجمعها رسم الهلال. فيما تطل المرأة على الطرفين بالحجاب بدبابيس مشابهة ويد تداعب قماش الحجاب. في لوحة اخرى يصير شعر المرأة مساحة للهواجس، فهي التي يظهر الاسى في ملامحها لا يزال شعرها يحمل ذاكرة الطفولة، فنجد رسماً بسيطاً لطفلة تربط شعرها في خصلتين وتقفز بالحبل.
وأكمل السوري شاهين عبدالله عمله في سياق واحد، يعتمد على اظهار تشكيلات حركية قاسية ومتشنجة لرجل غائب الملامح. فيما قدم المصري هيثم نوار عملاً اضافياً الى مجموعته التي تبحث في حركة الجسد عن معان متنوعة، فيأخذ جسد رجله العاري الى تكورات صارمة، او الى تشكيلات تجعل ملامح الوجه تطل بذعر، وتوجس، من كادر تشكله يدان تضمان الجسد بقوة.
والاختلاف الذي طرأ على أعمال السوري زياد الحلبي يأتي في سياق موضوع واحد. في جميع لوحاته يحضر كائن هجين، بجسد آدمي ورأس ذئب. هذا «الانسان الذئبي» يظهر في لوحة وبين يديه كتاب عليه عنوان بالفرنسية «يجب علينا قتل الانسان». وفي اللوحة المنجزة خلال الورشة يصير هذا الكائن مقلوباً رأساً على عقب. وفي لوحة من القياس الكبير يمكن الانتباه الى عدم الانتهاء من إنجاز جزء فيها، من الناحية التشكيلية، ربما بسبب المدة القصيرة.
في الاعمال النحتية نقابل تجربتين، الاولى للمصري احمد عبدالفتاح الذي يعمل على مجسمات هندسية من مواد مختلفة، فيما تشتغل السورية نسرين البخاري على هياكل تقتصر على النصف السفلي للانسان. ويذهب عملها ليكون تجهيزاً مع جمعها هياكل عدة تجلس على مقعد، وتحت كل منها تضع تفاحة سوداء كأنها الخطيئة.
الهيكل ليجلس متأمّلاً هيكلاً نصفياً آخر ممدّداً أمامه، يصلهما خط التفاحات السود، من خلف الهيكل المتأمل، وينتهي بشريط يصل الهيكل الثاني بوسادة بيضاء فوقها التفاحة الاخيرة. وأمام هذين التشكيلين، هناك مجسم لانسان ممدد يتدثر بقطع قماش كثيرة، ولا يظهر منه سوى قبضتي يديه اللتين تشدان القماش في وضع احتراس وهروب. اما «الفكرة التعجيزية» من هذا التجهيز فيمكن الاعتماد على منظمي المعرض لشرحها... وبالتفصيل المملّ.