... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

مقالات

 

 

 

 
 
   
الفنانة هيلدا حياري ...الأنا... الآخر... الكون

محمد أبوزريق

تاريخ النشر       07/12/2011 06:00 AM



بدأت مسيرة هيلدا حياري في اواخر الثمانينيات وهي كأي بداية كانت متواضعة لكنها تحمل في طياتها ميكانيزمات التطور.
في بداية التسعينيات رسمت المنظر الطبيعي كنوع من الدراسات على المنظور والبناء والتوزيع اللوني والكتلة والفضاء وكأنها تختبر قدراتها في الرسم والتصميم لكنها تميل الى معالجة المنظر من مستوى مختلفا اذ تتبنى تغييب الأفق في سبيل الحصول على لوحة طبيعية ذات رؤيا مجردة, ويبدو هذا جليا في التركيز على رسم الزهور بحرية تامة على اديم اخضر او ترابي ولعل هذا ينطبق على رسم البيوت والذي سيتحول شيئا فشيئا الى ابواب ونوافذ كاختصار وتجريد للمكان مع بقاء الزهور للتغلب على ملل السطوح او الجدران بل انها لم تكتف بهذه التمارين التشكيلية اذ نلحظ في بدايات القرن الجديد مجموعة دراسات تصميمية وجرافيكية بالأبيض والأسود مدخلة بعض اللون وبعض الكتابات وهي هنا ايضا تدرس اهمية الخط ودوره في العمل الفني. هذه الدراسات وغيرها اوصلت هيلدا الى تجريد يبدأ من كائنات اولية ربما تحت التراب او فوقه موزعة على اديم اللوحة كما كانت توزع زهورها سابقا لكن الجديد هنا هو هذه الاستفادات من المراحل التلوينية والخطية والكتلية باسلوب جديد فيه الحبكة الشكلية واللونية واخذت الدوائر محل الزهور والمربعات محل البيوت والأبواب والشبابيك. اما الكائنات الأولية فقد احتلت فواصل هذه الأشياء وكأنها لا تعترف بالفراغات بينها ومن هنا اخذت هذه الكائنات مجالها الحيوي في الربط بين المجالات المختلفة وتسيدت المشهد وأصبحت العناصر الأخرى خادمة لها.

ولعل هذا الحضور لهذه الكائنات هو الذي حرض الدائرة على تعديل موقفها المحايد لتصبح هي الأخرى ذات حضور متسارع في اعمال لاحقة بل تتوحد لتصبح جزءا من هذه الكائنات بل عنوانا لها.

ولعل احساس الفنانة بهذا الحضور قد دعاها الى تخفيف حضورها ليس بالإلغاء والطمس إنما من خلال جعلها جزءا من جمالية اللوحة على الأقل زخرفيا في البدايات ثم عضويا فيما بعد.

الدوائر هنا اخذت شكلا مختلفا فهي ذات الوان متعددة واحجام مختلفة وربما تستطيل احيانا او تتعرج في محيطها او تأخذ شكل المربع والمستطيل وتتوزع على اديم اللوحة بشكل زخرفي. اما الأرضية فهي موشاة بألوان متعددة تبدأ بالأسود وتنزاح للموشى بألوان فاتحة وهي في النهاية تفارق رمزها الأساس وتنزاح نحو التجريد بل ان الحس التصميمي الذي اكتسبته في مراحلها التخطيطية سيبدأ فعله في طريقة بناء اللوحة وتوزيع عناصرها بل ان هذا التوزيع يوحي بلقطة جوية لحي او مدينة فيها الشوارع والبنايات ذات بعد ين ومن منظور عين النسر وهي خصيصة فنية لكثير من الفنانين الذين يحاولون رؤية الواقع من منظور تأملي محايد لاحساسهم بالانفصال عنه وسأعود لهذه النقطة بالتوضيح في سياق آخر.

هكذا يبدو التجريد منظرا جويا وكأنه لقطة من طائرة ولعل الألوان هنا اكثر نضجا من المراحل السابقة سواء من حيث شدتها وقوتها او من حيث تنسيقها وتوزيعها لكن هذا المنظر الجوي المجرد يبدأ في التعاطف مع العين حين يوحي بطبيعته من خلال الخط المنحني واللولبي الملغز بحروفية دقيقة وغير مقروءة تقطع اللوحة افقيا او عموديا او قطريا تتبادل المساحات فيها الأدوار بين الفاتح والغامق وتصبح ذات طابع كوني لا ارضي كما في السابق.

تتحول الدوائر الى ثقوب سوداء تحيط بها نجوم ملونة وتصبح مركز جذب لكل عناصر التشكيل من لون وكتلة بل تتحرك هذه الثقوب في مسار اسود اللون لتلغي كثيرا من التفاصيل في طريق تعرجها المحسوب وكأنها خارجة عن النظام .

هكذا تصبح اللعبة التشكيلية حوارا ما بين عناصر اللوحة بعيدا عن تأويلاتها القريبة والبعيدة ومصدرا لمغامرة الشكل في مجاهيل روح تسير بين الرمز والتجريد ابيض يطفو على السواد وأسود ينخر البياض وما بين اللونين والحالين تعود اهليجية الدوائر بألوان صريحة تتحدى الاثنين وهكذا يصبح الأبيض محمرا او مزرقا او مخضرا ومصفرا وهكذا يعود التصميم ويختفي من لوحة الى اخرى طلبا لبحث لا يعرف مستقرا عن هدف مجهول هو التفرد في اسلوب مختلف يدفعه فهم مختلف للوحة مختلفة.

ولعل هذا البحث هو الذي اعاد اللوحة الى زخرفيتها في مرحلة ما بأن تبحث في تفاصيل زخرفة القماش الموسلين ورمش عينه وتوزيعه كولاجيا يتخلله ازرق نيلي قديم.

ولعل هذا البحث الدؤوب هو الذي جعل هيلدا تعود في كثير من الأحيان الى بدايات التجريد ولكن بأسلوب محسن وكأن هذه البدايات هي اساس التجربة وحاملة جيناتها ولكنها تظهر في كل مرة وقد استعادت جزءا جديدا من وهجها وقدرتها وخاصة عندما تتلاعب في المساحات كبرا وصغرا والألوان توزيعا او في تداخل المساحات خاصة في مسمى الدائرة الوردة.

لقد اكتسبت مع الزمن قدرة تلوينية اهلتها بأن تضع البرتقالي متجاورا مع الأزرق دون الإحساس بغربة اللونين ذلك ان هذا البرتقالي قد احتل معظم اجزاء اللوحة وما الأزرق الا ابراز لقوة اللون الآخر ولكي تتغلب على هذه القوة وشحت البرتقالي بألوان من درجات أخرى

في نقلة مفاجئة تدخل تقنية الكولاج من ورق جرائد ملصق على القماش ومغطى بالأبيض او الأسود الشفيف في كثير من اجزائه ومرسوم عليه بخطوط حلزونية او خطوط باستعمال الفرشاة محاولة توحيد اللونين النقيضين بهذه الخطوط التصالحية بين العالمين بل ان هذه الخطوط تبدو احيانا خطوطا رابطة واحيانا اخرى خطوط جامعة وثالثة على شكل خطوط محايدة وكل هذا التنوع طلبا للعبة التوازن في التكوين وشحن اللوحة بقدر ما من التعبير وهو على اي حال يظل تعبيرا مجردا.
تتحول الخطوط في مرحلة لاحقة الى مساحات تحاصر المساحات الكولاجية وتنخرها وصولا الى سطح قابل للتماهي مع التضاريس الطبيعية وربما الكونية وخاصة بدخول الدوائر الى كافة المساحات وكأن الدائرة هي محور الإبداع هنا سواء في كينونتها الأولية كخلية او في كينونتها الكونية كنجم او جرم سماوي.

وفي نقلة مفاجئة تعمل على فنون الفيديو محاولة التعبير عن قضيتها كامرأة مقابل التابوهات المختلفة وقد نالت الجوائز على بعض هذه الأعمال ذلك انها لم تكتف بالتعبير عن قضيتها فكريا وتعبيريا من خلال نص بصري محبوك على سبيل الفكرة بل خدمت ذلك بامتلاك تقنيات الفيديوآرت من تصوير واخراج وصوت ومؤثرات اخرى وخاصة في عمليها شفاه- طرابيش ومسارات ولعلها هنا قد وظفت فهمها السياسي والفني التقني في الوصول الى هكذا نتائج وخاصة انها تحمل درجة البكالوريوس في العلوم السياسية والبكالوريس في فنون الجرافيك.

من يعتقد ان هيلدا حياري ترسم لتزين الجدار او ان تجريدها منفصل عن رؤيتها يقع في التبسيط اذ ان نقلاتها الأسلوبية ذات علاقة وثيقة بنقلاتها الحياتية ذلك ان طوافها المستمر عبر اللون او الشكل يعبر تعبيرا دقيقا عن روحها التي انوجدت ضمن جدل الذات والآخر هذا الجدل الذي عبرت عنه بقناعة عنيدة استمدته من خصام مع الواقع وتصالح مع الفن دون حسابات الربح والخسارة ولكنها في النهاية تربح الاثنين.

ولعل السبيل الوحيد الذي وجدته في هكذا جدل هو الفن باعتباره ميدانا ذاتيا على المستوى الشخصي وعاما على المستوى الآخر دون نزال واحتكاك مباشر مع كل ما يمثل هذا الآخر من تشكلات وقد بدأ هذا الجدل منذ انطلاقتها الرومانسية في التعبير عن المكان والطبيعة مرورا بالتعبير عن كائناتها الأولية في قطيعة تامة عن هذا الآخر وصولا الى انفجارات روحها على المستوى الكوني.

وهي هنا تنطلق من المكان العام في المنظر الطبيعي الى المكان الذاتي في التعبير عن انصهارها باوليات الوجود وصولا الى المكان الكوني الذي يتجاوز الذات والآخر.

ومع ذلك فإن هيلدا لا تنسى انها تتعامل مع وسيط بصري له علاقة ما بالبصر والبصيرة. ولذلك فإنها توظف كافة الطرق للاستحواذ على عين الآخر الذي تتظاهر بعدم الانصياع له ولكنها توقعه في حبائل السطح الملغز بالأسرار وتبقي على خيط رفيع له علاقة بحركة العين (عين المتلقي) على اديم اللوحة مخدوما بكل هذا الزخم الزخرفي الظاهر واللامرئي الباطني من رموز بدائية واخرى كونية.

ان هذا التجريد هو في النهاية تجريد تعبيري رغم كل هذا البذخ اللوني والتهويم الخطي في حركة الفرشاة والترصيع النجمي للكائنات والأكوان وهو بالتالي تعبير عن حركة الروح في مجالها الحيوي الاجتماعي والثقافي وتعبير عن تمرد ما على مستوى المفاهيم والقيم الدارجة.

ولعل تماهي الدائرة بالوجه في بعض اعمالها الأخيرة لدليل آخر على نزعة تعبيرية لا واعية في العقل الباطن تضغط بنوع من الوضوح احيانا على المعطى البصري واللامقروء في احيان اخرى.
بل يبدو لي ان حركة اللوحة وانزياحها الأخير نحو التعبير عن جسد متواصل مع الكون رغم انصهاره في الواقع هو تعبير عن ذات متوحدة بين الأنا والآخر وقد وجدت معادلتها في توحدها الكوني عبر جسد اثيري مرصع بالرموز والزخارف ومديرا ظهره للواقع ومتجها للسديم هذا الجسد هو هيلدا نفسها بعدما وصلت عبر تساؤلاتها الوجودية الى الإقرار بالواقع ولكن بدون الاكتراث بافرازاته وقد عبرت عن كل ذلك بهذا التفجر اللوني والتهويم الخطي الضاغط في اعمالها الأخيرة. 

انها تركز على الخط اللولبي والإهليجي فيما يشبه السديم الكوني مستفيدة من تقنيات ضربات الفرشاة المنطلقة ورش الأحبار على شكل دوائر وغبار منثور على أديم اللوحة وهذا الأديم غامق اللون من البني المحروق إلى الأسود أحيانا ولكن أعمالها الأخيرة بدأت تنير السماء أو الفضاء بغلالة بيضاء شفافة أعطاها نوعا من الرومانسية والتفاؤل أما الكتل فيغلب عليها الاشتباك والتفاعل لكن هناك بعض الأعمال حملت كتلتين متحاورتين يفصل بينهما فضاء شفيف وسديم ملغز بآلاف الدوائر والنقط والرذاذ كما أن هناك خطا مستقيما في كثير من اللوحات يقسمها بنسب وزوايا مختلفة ويؤشر هذا الخط على شيء ما.

في اعمالها الأخيرة شهرزاد حاضرة سواء في الفيديو آرت او التصوير بل يبدو لي انها جسد ملغز بالموتيفات الشرقية الزخرفية الباذخة وروح تنطلق منه الى الفضاء بخطوط وسديم يربط الجسد بالكون وهو نوع من الوحدة بين الذات والآخر الداخل والخارج الأنا والعالم وكل ذلك مسنود بحركة لولبية متصاعدة من الجسد الذات الى الكون الآخر في نوع من التصالح بين الضدين.

هذا التصالح لا يبدو سهلا ذلك ان العالمين مختلفان فكيف السبيل الى تجسير الفجوة بينهما ? هنا تلجأ هيلدا الى تقنيات الغاء الحد الفاصل بين العالمين اذ انها لا ترضى بتحديد الأسود وظلاميته كفاصل حاد مع الأبيض بل هناك سديم يغلف هذا الأسود خروجا الى الأبيض مسنودا بخطوط انسيابية لينة وموتيفات ناعمة من زخارف شرقية تكسر صلابة المساحة وتحد من هشاشتها بهذا الربط الجميل.

هكذا يتفاعل السطح التصويري على صعيد اللون والشكل والمساحة بما يتوافق مع حالتها النفسية ومكابداتها الروحية وروحها الانفعالية والنتيجة لوحة تتجاوب مع معطيات نفس تواقة للإبداع ومسكونة بالتغيير والتجديد دون السقوط في الإعلان والمباشرة ومن هنا جاء السطح التصويري ممتلئا بلا فراغات نتيجة لهذه الهواجس وليس وسيطا فيما بينها.


مقالات اخرى لــ  محمد أبوزريق

 

copyright © 2008  Al ZaQurA.com, Inc. All rights reserved 

 

 

Developed by
ENANA.COM