... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

نقد

 

 

 

 
 
   
معرض فنانين عراقيين في المنفى

علي النجار

تاريخ النشر       11/07/2009 06:00 AM



مفردة المنفى، هي من أكثر الكلمات ترددا في القاموس المحكي العراقي المعاصر. وفي حقبة سابقة كان لمفردة الاغتراب وقعا مماثلا في الوسط الثقافي لما بعد الستينات من القرن الماضي كونها عبرت أو فسرت عن مدى الحيرة الاستفهامية لظواهر ثقافية وسياسية مزقت وهم ألفة محيط ومدارك هذا الوسط الذي ورث بعض من اجتهاداته عن النصف الأول من ذلك القرن و بتكريس لصفة النضال الوطني للتحرر من الهيمنة الاستعمارية الانكليزية. مع بعض من الحرية النسبية للجمهورية الأولى (1958). ثم تفتت ذلك النسيج تحت ضغط تصادمات المشاريع الديمقراطية التحررية والقومية وبتدخلات من السلطة الدينية الكهنوتية وما تبقى من سلطة الإقطاع القديم.
 
اظافة للسلطة العسكرية المغازلة للشارع الفقير في بدء تسلمها الحكم والمنقسمة بتجاذبات مصلحيه سياسية عديدة لا تخلو بعضها من ولاءات للدولة القومية الناصرية المصرية. وتمثلت الكارثة في تشتت الفعل الثقافي وسط ولاءات المثقفين وقصور الوعي الثقافي للسياسيين الرسميين ومدى القسوة والجهل الواضح الذي هم فيه وتشبثهم أو تشبههم بالعسكر (وبعضهم كان عسكرا فعلا) لا بالوعي النظامي لإدارة الحكم بل بفرض السلطة وما يرافقها من أوهام. وكان الاغتراب الثقافي الوجودي منفذا للتحرر من سطوة كبت الحريات الديمقراطية في بداية الستينات وحتى السبعينات وانتهى تحت ضغط تفعيل الخطاب الثقافي القومي المعنون ب (الأصالة والمعاصرة) والذي افقد المعاصرة وقتها أهم عناصر بحثها وتأصيلها فكرا قابلا لتغييرات العصر بسحبها لبعض من أبأس المفاهيم الماضوية العربية وخاصة ما يتفق منها وسطوة الحكم. حتى وصلت جسارة الاعتداء على حقائق التاريخ لكتابة التاريخ من جديد (1) لا كحقائق أو وثائق بل تزويرا لخدمة السلطان وسلطته. وكان الاغتراب (داخل البلد) يستلبنا، وكنا منفيين داخل بلداننا.

طغى مفهوم النفي أو المنفى في الوسط العراقي المثقف منذ انقلاب سلطة حزب البعث على تحالفاتها مع أثنيات ويسار العراق
نهاية السبعينات وكانت البداية الأعنف لسلسلة المنافي العديدة بدأ بمثقفي وكوادر اليسار وحتى من له وعي ديمقراطي ولو بنسب متفاوتة. بالرغم من أن المنفى لم يكن غائبا عن الذاكرة العراقية قبل ذلك، لكنه لم يشكل قبل هذا التاريخ سوى حوادث فردية قسرية كانت تمارسها السلطة الملكية السابقة دعما للسلطة الاستعمارية المنتدبة في العراق. إضافة لهجرة بعض من القبائل الكردية المعارضة بالسلاح وقتها. ثم شكل المنفى بشقيه الاختياري (رغم التباس هذا المفهوم) والإجباري كارثة حقيقية للثقافة العراقية المحلية. فالمنفي بشكل عام إما مثقف معارض للممارسات السلطة المحلية القمعية اللاانسانية، أو إنسان بسيط وقع في كمائنها الدموية بفعل حراك الفعل السياسي وتدخلات القوى الكبرى التي تتحكم بجغرافيا العالم لمصالحها الخاصة.
واغرب منفى كان بأثر من كارثة الحصار الاقتصادي الذي ضربت أناس العراق في أدق مفاصل حياتهم وعيشتهم اليومية وباتت لقمة العيش استجداء على مدى ثلاثة عشر عاما كانت الأغرب والأعنف من الكوارث البشرية المعاصرة وبات الفرد العراقي يحلم بالهجرة نفيا لواقع أمر من النفي واكتظت بلدان الهجرة (مصطلح عراقي جديد يمثل البلدان التي أوت هؤلاء المهاجرين أو المهجرين) من كل أطياف الشعب العراقي ممن غامر بدروب الهجرة الوعرة وبكل مبتكرات تصدير ذاته عملة غير قابلة للتصريف.
انتباهة بلدية مدينة ( سانت الير دو رييه)الفرنسية الساحلية في مشروع عرضها الفني هذا (فنانون في المنفى.. العراق) لظاهرة فناني المنفى، واختيارهم لعينة من التشكيليين العراقيين (وما أكثرهم في بلدان العالم) اعتقده لم يكن اعتباطا، بل لشيوع ظاهرة المنفى وخاصة العراقي واتساع رقعته الجغرافية، لكنه يمثل انتباهة وقراءة صائبة، تحسب لهم، لواقع الحراك الثقافي العالمي وجذر المنفى أو الاغتراب الذي يتغلغل في العديد من مفاصله التأسيسة والمستوطنة في زمن يسعى لعولمة ثقافية لا تلغي الآخر بل تؤكده مساهما ايجابيا. واحتفائهم الجميل بالفنانين وعروضهم التي احتلت أهم قاعتي عرض في هذه المدينة هما (ميديا سنتر (2) و قاعة عرض هنري سيمون (3)) يوازي اهتمامهم بقضايا التضامن الإنساني ويعزز من نوايا اهتمامهم الفائق بدعم حقوق الإنسان وتعاونهم ومنظماته الإنسانية. مثلما يشير انجازهم لجداريه نحتية مخصصة لذلك والتي نفذها الفنان العراقي الفرنسي(عباس باني) الذي يقيم في نفس المدينة والتي استمر مشروع تنفيذها لعشرة سنوات متتالية بمعدل منحوتة واحدة مخصصة لشخصية إنسانية عالمية.
 
خلال هذه السنوات العشر ولا تزال إدارة هذه البلدية تؤكد على نهجها التضامني وحقوق الإنسان العادلة في العيش الحر والكريم. مفهوم المنفى وكما اعتمده منظموا العرض هو من منطلق مطلق اعتراف بالآخر لا نفيه كما في مفهوم الغريب الذي لا تزال تؤكده بإصرار بعض من الدول أو المؤسسات الغربية حديثة الديمقراطية وغيرها للحد الذي باتت تسييسه ضمن ممارسات ومؤتمرات تحت عناوين الفن الغريب (الأجنبي) والفنانون الغرباء ، لكن وعلى حد معرفتي ، وما دمنا بصدد النتاج الفني فان اللغة الفنية هي لغة نافذة عابرة لا تخضع لأي حاجز صد، من هنا تنتفي غربتها وتبعاتها على منتجها. وان كانت الغربة وهي من أصل الغريب مصدا لا منفذا للآخر فان المنفى كنتيجة لممارسات لا إنسانية هو بالضد من النفي أو الإلغاء ويستوجب عطفا للمنح لا للنبذ من هنا تأتي أهمية هذا العرض الذي يشكل نموذجا لقبول الآخر لا إقصاءه، والمنح هو الصيغة المثلى للقبول وبدون المساس بالمشاعر الإنسانية أو تكريسه هامشا متلبسا بغرائبية اغتراباته.

اشترك في العرض أربعة فنانين عراقيين، من مدينة مجاورة عباس باني ومن لندن صادق طعمه ومن شمال فرنسا الفنان الكردي دلشاد كوستاني ومن السويد كاتب المقال علي النجار وكان للفنان عباس باني فضل اختيارهم بتكليف من البلدية كونه استوطن في نفس المنطقة وبمدينة محاذية لأكثر من عقد من السنوات وبات واحدا من نسيجها. مجموعة الأربعة هذه بالتأكيد لا تمثل الفن التشكيلي العراقي لاتساع رقعته وغزارة إنتاجه وكثرة المشتغلين في مجاله من الفنانين المغتربين. كما أنها لا تمثل اشتغالا مفهوميا أو جماليا واحدا. تنوع الأساليب والأداء الواضح لهذه المجموعة في هذا العرض والذي يجمع ما بين الاحتراف والهواية بنية الاحتراف هو بعض من جزر التشكيل العراقي العائمة وسط متاهات المنافي أو الاستيطانيات التي لا تعد في هذا العالم الصغير. والعرض هو الآخر لا يختلف إلا في حدود أدائية عن مشاريع عروض أخرى في دول وعواصم عديدة.
 
تنوع مناطق اشتغالات هذه المجموعة الصغيرة لا يختلف بسماته الواضحة عن بعض من مناطق اشتغالات الفنانين العراقيين سواء منهم من تأثر بالأثر المتحفي أو الكاليغرافي أو التجريد الاشاري البيئي، لكن هذا لا يعني أن هذه المجموعة تمثل نموذجا واضحا للتشكيل العراقي وذلك لعدم وجود النموذج أساسا بالشكل الذي يتمناه المتلقي الغربي وذلك لشساعة منطقة التشكيل الحديث وما بعده ولتشتت الفنانين أنفسهم في بلدان العالم. لكن، لا نعدم وجود اشتغالات في احدث ما تقدمه وسائل الميديا التشكيلية المعاصرة عند الجيل العراقي المغترب الأحدث. وعلى العموم فان خبرات فنية عراقية جديدة تبرز وسط الحاضن العالمي الكبير، وهو أمر بديهي حالهم حال بقية مشتعلي التشكيل وسط مشغل حاضرنا الثقافي العالمي ما داموا يعيشون ويتلقون مهاراتهم ومعارفهم وسط هذا الحاضن. فالذات الإنسانية واحدة وهي خاضعة لمتغيرات العصر وحراك ذائقته.
وهذه الخبرات الفنية الجديدة اكتسبت وضوحها ضمن ظاهرة العروض العراقية في بلدان المنفى أو المهجر، وكثرة من هاجر من الفنانين والمثقفين العراقيين بات وضعا مألوفا وللحد الذي كرست فيه بعض الأوساط الثقافية العراقية مصطلحي فناني الداخل وفناني الخارج ومثقفي الداخل ومثقفي الخارج تخريجا لظاهرة باتت تلقي بثقلها سلبا وإيجابا على التشكيل العراقي.
 
ومن الواضح في هذا العرض أن ثمة اشتغالات لا تنفصل عن تجارب عراقية (حروفية) سابقة إلا في بعض من خصوصية حراك هذه المنطقة. وتجارب أخرى تحاور الأثر الثقافي الشرقي باختزالية أشارية واضحة وبادراك وتمكن من ملونته. وكان التجريد البيئي حاضر كتجربة قابلة للإدراك في أعمال أخرى، كما لم يخلو مجمل العرض من اشتغالات على المفهومية المعاصرة. وأخيرا فالمعرض افتتح في التاسع عشر من يوليو ويستمر حتى العشرين من أوكستي.

....................................................................
Saint Hilair de Riez*..
1.. كتابة التاريخ من جديد، مشروع كلف فيه بعض المؤرخين العراقيين للوي الوقائع التاريخية العراقية لما يتماشى والسياسة الشمولية القومية لحزب البعث أثناء فترة سلطته.
La médiathèque..2
سنتر الميديا، منشأة ثقافية تجمع أقسام عديدة منها المكتبة العامة وقاعة عروض فنية متخصصة وعروض سينمائية.
Henry Simon..3
قاعة عرض تابعة لمكتب سياحة منطقة سيون الساحلية من المدينة.


مقالات اخرى لــ  علي النجار

 

copyright © 2008  Al ZaQurA.com, Inc. All rights reserved 

 

 

Developed by
ENANA.COM