... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

نقد

 

 

 

 
 
   
عدلي رزق الله رسام يغزل لوحاته بخيوط من الضوء

ياسر السلطان

تاريخ النشر       03/02/2009 06:00 AM



تتميز تجربة الفنان عدلي رزق الله بأنها تمتلك أبعادا متعددة لجوانب الإبداع، ففي الوقت الذي يختار فيه المائيون العرب موضوعا أثيرا للوحاتهم لا يتعدى المنظر الطبيعي أو تسجيل جانب من الطبيعة وتخليد ظاهرة مكانية، تميز الفنان عدلي رزق الله باقتحامه منطقة جديدة للتعبير بهذه الخامة الرقيقة والشفافة والعنيدة في نفس الوقت متجاوزا تلك الطبيعة الخاصة للخامة ليخلق لنفسه أسلوبا متفردا ومغايرا بعد أن شحن ألوانه بطاقة تعبيرية دينامية هائلة معبرا عن هذه الرموز المنتمية إلى الثقافة والبيئة الشرقيتين كالنخلة والطابع المعماري المميز والقباب والصحراء كما لجأ إلى صياغة جديدة كان الفنانون العرب يتعاملون معها بحذر وهي استخدامه للون الأسود في ألوانه المائية،
 
 جرأة متفردة أضافت إلى إبداعاته صفة الاختيارات الصعبة في التناول والمعالجة، وفي واحدة من اختيارات الفنان الصعبة اتجه بقوة يحسد عليها إلى عالم مطبوعات الأطفال حيث أضاف إلى المكتبة العربية نماذج متفردة ومؤثرة في هذا المجال الظمآن بعد أن تميزت إبداعاته بلغة بصرية واعية وبليغة.

الفنان عدلي رزق الله من مواليد عام 1939 وتخرج من كلية الفنون الجميلة بالقاهرة عام 1961 ثم درس الفن بجامعة "ستراسبورغ" وعمل لسنوات طويلة كرسام بدار الهلال المصرية، كما عمل أيضا كأستاذ بجامعة "ستراسبورغ"، ومشرفا فنيا على دار الفتى العربي، وأقام لأعماله العديد من المعارض الفردية كما شارك أيضا في العديد من المعارض الجماعية التي أقيمت داخل مصر وخارجها، كذلك شارك الفنان برسومه في العشرات والمئات من الكتب والمطبوعات للصغار والكبار.

وهذا العام يحتفل الفنان ببلوغه السبعين من العمر وبهذه المناسبة عرضت له قاعة بيكاسو بالقاهرة مجموعة منتقاة من أعماله المائية المميزة التي عرف بها وتميز كأحد أبرز الفنانين المتعاملين مع خامة الألوان المائية، ولقد ضم المعرض أكثر من خمسين عملا من أعمال الفنان من بينها مجموعة كبيرة من أعماله المعروفة بـ "البلوريات".

وفي هذه الأعمال تتجلى سمات خامة الألوان المائية في أفضل صورها، وتواجهنا الشفافية في كل جزئية من هذه اللوحات، هذه الشفافية التي تعد من أبرز السمات التي تتمتع بها الألوان المائية، لكن عدلي رزق الله حولها إلى شفافية خاصة به، فقد استطاع بسهولة وحرفية تحسب له أن يزيح الظلمة ويستدعي الضوء من قلب الأعمال، وهي سمة مميزة لمعظم لوحاته، حتى أنه يضعك في حيرة حين تقف أمام بعضها فلا تعرف على وجه اليقين من أين ينبثق هذا الإشراق الذي يسيطر على العمل أهو من الخارج أم من الداخل.

وعن تجربته الفنية يقول الفنان عدلي رزق الله: عملي يأخذ مني كل وقتي، فالفن عندي هو مهمة يومية وروتين منتظم أمارسه ولا أمل منه أبدا، وهو أمر يسعدني كثيرا لأنه يعني أني أمتلك درجة عالية من الحرية في الحركة، والفن بالنسبة إلي هو طريق الحياة السعيدة فهو يكسبني حالة من الرضا عن النفس ويساعدني على الاتزان في مواجهة مشاغل الحياة وهمومها.

ويضيف قائلا: حكايتي مع الفن بدأت منذ الطفولة حين كنت مغرما بالإطلاع على المجلات والقصص المصورة الموجودة في دكان "العلاف" الذي كان يبيع الجرائد القديمة ضمن تجارته في الأربعينات، من يومها وأنا مغرم بهذا العالم السحري ومن يومها أيضا ارتبط الرسم عندي بالكتابة رغم أني قد بدأت مزاولتها بعد سن الأربعين إلا أنني كنت طوال عمري متذوقا للكلمة وجمالياتها.

وعن بداية علاقته بالكتابة يقول الفنان: بدأت علاقتي بالكتابة حين كنت أضع الرسوم المصاحبة لبعض الكتب المخصصة للأطفال، لكنني قررت بعدها أن أكتب القصص وأرسمها في نفس الوقت ورحت أنشرها في سلسلة مصورة خلال فترة الستينات وحتى الآن تحت عنوان حكايات عدلي رزق الله.

لكن الفنان عدلي رزق الله لم يكتف بالكتابة في أدب الأطفال فقد قام بكتابة سيرته الذاتية في ثلاثة أجزاء كان أولها الوصول إلى البداية في الفن والحياة والثاني الطريق في الفن والحياة أما الثالث فقد جاء تحت عنوان الحصاد في الفن وفي الحياة، كما أن له العديد من المقالات المنشورة بالصحف المصرية والعربية، وخلافا لكتاباته يمتلك علاقة وثيقة مع الكلمة والكتابة أيضا من خلال علاقاته العديدة مع كتاب وشعراء رسم قصصهم وقصائدهم، وهم من فرط تقديرهم له كثيرا ما كتبوا عن أعماله الكثير من القصائد ومن هؤلاء محمد عفيفي مطر وبدر الديب وإدوار الخراط.

وعن علاقته بخامة الألوان المائية يقول: خامة الألوان المائية من الخامات التي تتميز بالشفافية الشديدة وأنا أعشق هذه الشفافية في كل شيء كما أن هذه الخامة تمتلك القدرة على إضفاء جو من الروحانية والسمو على المفردات المرسومة خلافا لأي خامة أخرى، وأنا حين أرسم بالألوان المائية أو الأكواريل أتعمد العمل تحت الضوء الطبيعي.. ضوء النهار لأنه الأقدر من وجهة نظري على إظهار كل الجماليات الخفية التي تتمتع بها هذه الخامة، لذا فاليوم عندي منقسم إلى نصفين.. النهار أو الصباح للرسم بالألوان المائية، والمساء للقراءة.

من أكثر الوجوه التي رسمها الفنان عدلي رزق الله كان وجه أمه التي أوحت إليه أيضا بالكثير من الأعمال والموضوعات بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهو يعلق على هذا الأمر قائلا: أنا أرسم أمي حين أشعر بخوف من الدنيا حينها أهرع إلى أمي لكي أرسم وجهها وأستعيد ملامحها ودفءها ومشاعرها الفياضة، وكثيرا ما تظهر في لوحاتي بصور وأشكال مختلفة فهي عندي مستودع مليء بالدلالات والرموز التي لا تنتهي.



مقالات اخرى لــ  ياسر السلطان

 

copyright © 2008  Al ZaQurA.com, Inc. All rights reserved 

 

 

Developed by
ENANA.COM