... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

مقالات

 

 

 

 
 
   
أيها الماضي ليتك لم تكن: محمد الجالوس وهو يستعين بشبحي خادما لرسومه

فاروق يوسف

تاريخ النشر       13/01/2009 06:00 AM



  (ليست لدي إجابات) يستعير الفنان محمد الجالوس هذه الجملة من رسومه، ليقول كل شيء عن نفسه وعن رسومه. تلك الرسوم التي لا تخون ماضيها. لقد اكتشفتهما معا: الجالوس ورسومه عام 1992. يومها كان الرسام منه يتعثر بالنغم الذي تطلقه الأصباغ. كان كمن يكافح أمواجا، تعلو مرة وتنخفض مرة أخرى. وما بين الحالين كانت أحواله تتغير وتتشظى. يضيع فيشعرك بخيبته، ينجو ليأتيك بأبهة النبالة. الجالوس هو ابن رسومه المشاغبة. ليس لديه قرار حاسم في حياته باستثناء ذلك القرار الذي جعله يضع مصيره كله على حافة الرسم. شيء منه ظل عالقا بي بعد أن فارقته لسنوات طويلة: حركة يده الحرة على القماش و على الورق. معنى الرسم كله يكمن في تلك الحركة المتوترة. وهي حركة يستدعيها الرسم مثلما تستدعي الصلاة حركة العابد. لقد التقيــــته مؤخرا. بلقائه حققت واحدا من أهــــداف رحلتي إلى عمان.

معه وبه وبرسومه وبزوايا مرسمه استعدت شيئا من حياتي، ذكرى الشاب الذي كنته يوما ما، ذلك المتمرد المعذب بأفكاره، الباحث عن شيء لا يراه. ما إن رأيت الجالوس وهو يرسم، حتى شعرت بان ذلك الشاب صار يقاسمني أنفاسي. هواء الماضي لا يكفي. أقبض على وهم حياتي فيما كان الجالوس ينظر في عيني ليرى صورته القديمة، شبابه الذي انزلق جزء منه على صخور ساحل المحرس في تونس، يوم التقينا هناك ليجعلنا القدر صديقين.

2

(ليست لدي إجابات) يحدثك الجالوس عما يفعل، عن تحولات المعنى في أعماقه، عن أوهامه البصرية، عما فقده وعما اكتسبه، عما تعلمه وعما نفر منه، عن درجات الشكل الذي تتسلق وعيه الداخلي، لكنه لا يقترب بك من مواقع الالهام. هناك دائما جملة ناقصة. جملة أنا على يقين من أنه لا يخفيها، غير أنها تكاد تكون غير موجودة. الجملة عينها تذهب بك إلى رسومه، من غير أن تكشف عن ذاتها.

كان الرسام العراقي قاسم الساعدي يلقب الجالوس تحببا بـ(الشاعر الجاهلي) لا لشيء إلا لأن الجالوس أظهر في سلوكه نوعا من التماسك الأخلاقي الرصين. صدق الجالوس لا يفارق طريقته في الرسم. ما رأيته من رسومه بعد سنوات من الفراق أعادني بطريقة أو بأخرى إلى رسومه الأولى التي رأيتها بداية التسعينات، لا لأنها تتشابه، بل لأنها تنتمي إلى العاطفة نفسها. الرسام هو ابن رسومه. هو ابن حساسية تنبعث من عالم مجهول لتشمله بنعيمها ورفرفة أجنحة طيورها. لقد أدهشني ذات مرة أن الجالوس حمل عدة الرسم إلى الطبيعة وصار يرسم مناظر طبيعية وبيوتا. الرسام التجريدي يبحث عن وقت للراحة النفسية، بل قل أنه يستعين بعينيه ليكتشفا مواقع جمال جديدة. حوار لم يكتمل ولن يكتمل، مع الرسم ومن خلاله. يدفع الرسام حواسه إلى الاستيقاظ على برية لا حدود لها. هناك حيث تنشئ الطبيعة عمارة خيالها المحلق. كان الجالوس يتلصص على الطبيعة، غير أنه بالدرجة الأساسية كان يتلصص على رسومه. يحاول القبض على الوحي الفالت منه.

3

يفعل الرسام ما يجده مناسبا لخيانة رسومه. ولكن مهما فعل الجالوس من أجل أن يمكر لرسومه فان مكره ذلك لن يصل به إلى مرحلة تخليه عن حركة يده التي أعرفها. لقد رأيته هذه المرة يرسم، مثلما كنت قد رأيته من قبل يرسم عشرات المرات. لقد كانت الإقامة في مرسمه جزءاً من حياة عشتها بعيدا عن بيتي.

حياة لم أعشها تماما. ربما سيكون علي أن استعيدها من خلال الكتابة يوما ما. كنت استيقظ من النوم لأجدني محاطا برسوم الجالوس. كانت تلك الرسوم تمتزج بأحلامي.

ألا يكفي ذلك سببا لعدم نسيانها؟ شيء مني بقي في مرسم الجلوس، وشيء من رسومه رحل معي إلى المنفى. حين دخلت إلى مرسمه هذه المرة قادما من السويد حاولت أن تكون الزيارة مناسبة لتبادل الأمانتين: ما بقي مني هناك وما حملته معي إلى منفاي. أسلمه شيئا لأستلم منه شيئا. ولكن الجالوس أحبط كل شيء.

بل ان حركة يده بالطريقة المتوترة نفسها هي التي جعلتني أقرر أن ما تركته في المرسم هو من حق الرسام وما أخذته معي هو من حقي. فالرسام الذي اراه اليوم والذي ظل مخلصا لعاداته، هو نوع من خيال الرسام الذي تركته ذات يوم منهمكا في تفكيك عناصر لوحته. لم يكن محمد الجالوس هذه المرة صديقي بل كان قريني. لقد رأيت شبحي الذي تركته هناك يعينه في الرسم. لقد كدت أن أقول له ذلك، غير أني أحجمت، خشية أن يقرر الجالوس تأثيث مرسمه من جديد لإستضافة شبحي، مثلما فعل معي قبل سنوات.

4

حين رأيت الوجوه التي صار يرسمها الآن بتلذذ تذكرت كلمات منه قالها لي قبل سنوات: هل ترى وجوها بين خطوطي؟ كان يرى من رسومه ما لم أكن أراه. العكس صحيح طبعا. غير أنني لم أحاججه يومها. لم يكن لدي جواب بعينه. كان يحلم بوجوه تعيده إلى مواقع هي الجزء المعتم من ذاكرته، وجوه حلم بها الآخرون وصارت جزءاً من الحكاية التي امتلأ بها ضميره وصار يستعين بها عاطفيا. تلهمه تلك الوجوه التي يرسمها الآن القدرة على أن يقاوم بقوة الفن الخطأ التاريخي الذي يجعله يقيم خارج الذاكرة. إنه يستعين بالحكاية، وهي الحكاية التي تجعله موجودا في قلب السيرة الجماعية لشعب ظل حريصا على أن لا تمحى حكايته من التاريخ. يقول لي: هل أمحو المربع الذي يعزل تلك الوجوه عن سواها؟ لم يكن ينتظر إجابتي. لقد بدأ بالمحو قبل أن يراني. الوجوه القديمة صارت تمتزج بالوجوه الجديدة. ما لم يعشه وما عاشه صارا يمتزجان. الرسم يعلمنا شيئا عن الكمال، غير أنه يعذبنا بالجمال الناقص. ذلك الشيء الذي نقضي العمر كله من أجل أن نحظى بلحظة تلصص واحدة عليه. بين تلك الوجوه ضعنا (الجالوس وأنا)، كما لو أننا لم نعش إلا لحظة لقاء صغير كان في إمكانها أن تصف مصيرينا: صديقين التقيا في لحظة مبهمة من التاريخ. أيها الماضي ليتك لم تكن



مقالات اخرى لــ  فاروق يوسف

 

copyright © 2008  Al ZaQurA.com, Inc. All rights reserved 

 

 

Developed by
ENANA.COM