... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

 

مقالات

 

 

 

 
 
   
أهدى معرضه إلى مي غصوب سهيل سليمان: الحقيقة في مكان آخر

نوال العلي

تاريخ النشر       04/11/2008 06:00 AM



علّق سهيل سليمان أذناً ضخمة من الشمع وأسدل عليها ستاراً من الشيفون الأسود. المتفرج يرفع الستار بعد أن يكون قد مرّ بشاشتي عرض: واحدة تستقبله على الباب، وأخرى ما إن يدلف إلى الصالة. نحن في معرض Raining Stones الذي تستضيفه غاليري «جانين ربيز» في بيروت منذ أكثر من أسبوعين... ترصد الشاشتان حجارةً تتساقط على سماء مقلوبة، يمكن تشبيه الصورة الكحلية الغامقة بمجرّة. هناك أصوات ارتطام لكتل أو انهيارات صخرية بالمعدن أيضاً، سيكتشف السامع لاحقاً أنّها تبدو أعلى مما هي عليه في حقيقتها. الأصوات في الواقع تسجيلات لسقوط أحجار صغيرة قام التشكيلي اللبناني (1952) بجبلها مع شمع الأذن الآخذ في الذوبان. وكلما زاد عدد حضور المعرض، زاد عدد الحجارة المتساقطة وذابت الأذن الشمعية أكثر فأكثر، حتى يظهر هيكلها الداخلي المكوّن من شبكة معدنية مثبتة على ورق صحف ومواد أخرى. المتلقّي شريك في ما ستؤول إليه حال هذه المنحوتة، إنه نوع من «الفن الحركي» يكتمل شكله مع أقدام آخر زائر للمعرض الذي ينتهي يوم غد في بيروت.
لقد ثبّت سليمان مجسّمات في قاعدة التجهيز الفراغي عالية الحساسية لدى مرور أي شخص بجانبها، وما إن تستشعره حتى تبدأ «سشوارات» الهواء الساخن المسلّطة على الشمع بإذابته رويداً رويداً، فيتساقط الحصى العالق في النحت على دائرة معدنية مثبتة في الأرض، محدثاً هذه الأصوات.
تمديدات الصوت الموصولة بجهازي العرض تسجّله وتجعله مضاعفاً أو لنقل مزيفاً. إنّها مهمة وسائل الإعلام. يسأل سليمان «بماذا يذكّر الكذب الذي نشاهده على الشاشة؟» ربما يذكّر بالحقيقة، أو التفتيش عنها. «العمل يمثّل الطريقة التي تنتقل بها الأخبار عبر الإعلام لتشكّل حلقة تواصل تترابط فيها الأحداث التي يحرّكها اهتمام المشاهدين».

يهدي سليمان منحوتته الحركية إلى الكاتبة والفنانة مي غصوب التي اشتغل معها في آخر عمل لها Lebanon ـ Image in All the People الذي عرض في «بينالي ليفربول» 2006... ويقتبس فكرة هذا النحت أو التجهيز من خبر نُشر قبل سنوات، عثر عليه سليمان المقيم في لندن «مدفوناً» في إحدى الصحف البريطانية القديمة، وفحواه أنّ «طائرات مروحية إسرائيلية قذفت بالحصى المدنيين الفلسطينيين رداً على الانتفاضة»!
العمل يحاول أن يحاكي الخبر، وأن يبرز في الوقت نفسه زيف الآلة الإعلامية التي تصنّع الخبر، هذا ما تؤكده الأصوات المتضخّمة في الخارج. لا يمكن سماع الحقيقة كما هي. لا بد من أن يضعها الإعلام بصورة مشوّهة، كل جهة تنسخ حقيقة ما على هواها. يبقى أن يحاول المرء البحث جيداً والإصغاء والتخلّص من حاجز الشمع الذي يمنع صوت الواقع من الوصول. نحتاج إلى جموع للبحث عن الحقيقة، مثلما تحتاج منحوتة سليمان إلى زوّار كثر يستظهرون باطنها. وهي المشغولة بطريقة تقليدية لنحت الشمع المفقود Lost wax. يقولب فيها الشمع المذاب ثم ينزع بحيث يصبح مضغوطاً وفارغاً من الداخل، وذلك بعد تعريضه لحرارة عالية.
معرض «تمطر حجارة» Raining stones ليس عمل اللحظة الجمالية بالتأكيد، وإن لم يكن يتجاهلها. وهو لا يحقّق متعة بصرية بقدر ما يحدث الصدمة مستفيداً من التقنيات الحديثة، ومستدرجاً المتفرج إلى استخدام أكثر من حاسة البصر؛ بوجود رائحة خفيفة لقطرات الشمع الذائبة، وملمس شمعي خاص للحصى المختوم، وأسلاك ظاهرة تصل الذهن باستخدام مفرط للتكنولوجيا وتذكر بالفضائيات، إضافة إلى التسجيلات الصوتية.
استخدام القماش المخادع الشفيف كستارة لـ«تمطر حجارة» لن يعود مستهجناً، أو يحتاج تبريراً حين نعرف أنّ الفنان الذي هاجر من لبنان (1970) لدراسة الفن في «الكلية الملكية للفنون» في بريطانيا، درس تصميم الأزياء وابتكر للمسرح أزياءً تنزع على خشبته وتتحول إلى قطعة من ديكور العمل المسرحي حالما يخلعها الممثلون، ليجمع بذلك بين تصميم الملابس والنحت الذي وجد نفسه فيه واتجه نحوه كاملاً في ما بعد. ظل النسيج هاجساً سيستخدمه سليمان هذه المرة بوصفه «لانجري المنحوتة».



مقالات اخرى لــ  نوال العلي

 

copyright © 2008  Al ZaQurA.com, Inc. All rights reserved 

 

 

Developed by
ENANA.COM